السوال:. هل الله يقبل توبة مرتكب الكبائر؟
وإذا لم تقبل توبته
،
هل يضطر إلى أن يقام الحد عليه مثل الزنا، والسرقة، واللواط؟
**************
الجواب :.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله غافر الذنب، وقابل التوب، شديد العقاب، ذي الطول، لا إله إلا هو، إليه المصير،
والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين،
وبعد:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
اعلم -يا رعاك الله-
أن الله تواب رحيم، يقبل التوبة من التائبين،ويعفو عن المذنبين، ويتجاوز عن المخطئين
برحمته التي وسعت كل شيء،
والتائب من الذنب كمن لا ذنب له،
والتوبة الصادقة تمحو جميع الخطايا والذنوب، مهما بلغت،
قال –تعالى-: "والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ولا يقتلون النفس التي حرّم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا إلا من تاب وآمن وعَمِل عملاً صالحاً فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفوراً رحيماً ومن تاب وعمل صالحاً فإنه يتوب إلى الله متاباً"[الفرقان:68-71]،
أرأيت يا عبد الله كيف أن الله يبدل هذه السيئات، والمعاصي، والمنكرات إلى حسنات؛
وذلك بالتوبة الصادقة؟!.
ولا يشترط أن يقام عليه الحد؛
فالتوبة تجب ما كان قبلها من الذنوب،
ولا أدل على ذلك من حديث الرجل الذي قَتل مائة نفس، وأراد أن يتوب، فدُلَّ على عالم،
فقال له العالم: ومن يحول بينك وبين التوبة
فأمره بالتوبة،
ولم يأمره بوجوب إقامة الحد،
فَدلَّ ذلك على أن التوبة كافية لمن تاب، دون إقامة الحد عليه، فعلى من فعل هذه المنكرات أن يتوجه إلى الله بالتوبة الصادقة،
ويستر على نفسه،
ولا يلزم إقامة الحد عليه، وأن يدعو لمن آذاهم، ويستغفر لهم، وإن كانت هناك في ذمته لهم حقوق مالية، يجب عليه أن يردها لهم بطريقة لا يترتب عليها ضرر أو أذى له.
المهم أن من تاب تاب الله عليه، ولكن عليه بصدق التوبة، والندم على ما فات، وعدم الرجوع لهذه المعاصي مرة أخرى،
وأن يكثر من فعل الخير؛
فإن الحسنات يذهبن السيئات، وليحذر من القنوط من رحمة الله، فالمولى – جل وعلا-
أرحم الراحمين، وأكرم الأكرمين، لا يتعاظمه ذنب أن يغفره، ولا عيب أن يستره، ولا معصية أن يتجاوز عنها،
واسمع إلى هذا الحديث القدسي الآسر الذي يهزُّ كيان كل مسلم، عن أنس –رضي الله عنه-
قال: سمعت رسول الله –صلى الله عليه وسلم – يقول:
"قال الله -تبارك وتعالى-: يا ابن آدم: إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان فيك،ولا أبالي، يا ابن آدم: لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك، ولا أبالي، يا ابن آدم: إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً، لأتيتك بقرابها مغفرة" أخرجه الترمذي (3540)
وقال: حديث حسن غريب.
أرأيت يا عبد الله مدى سعة رحمة الله بعباده المذنبين، التائبين النادمين على ما فعلوه من معاص وآثام؟
فعلينا جميعاً أن نبادر، ونسارع بالتوبة قبل أن يفاجئنا هادم اللذات، ومفرق الجماعات، أتدري ما هو؟
إنه الموت،
وأضف إلى هذا كله أن الله يفرح بتوبة العبد إذا تاب ورجع إليه، كما ثبت ذلك في الحديث المتفق عليه
من حديث أنس –رضي الله عنه- أخرجه البخاري (6309)، ومسلم (2747).
فيا أخي الكريم:
بادر بالتوبة ولا تسوف؛ فإن التسويف من الشيطان، اقطع كل صلة تربطك بهذا الماضي السيئ،
عليك بمصاحبة أهل الخير ومجالستهم، وحضور مجالس الذكر والعلم، واحذر من قرناء السوء والقرب منهم؛
فمصاحبة الفريق الأول فوز وفلاح في الدارين، ومصاحبة الفريق الثاني شر وفساد وخيبة وخسارة في الدارين،
واظب على المحافظة على الصلاة مع جماعية المسلمين،
واكثر من فعل الطاعات ما استطعت إلى ذلك سبيلا، وابعد كل البعد عن المعاصي والمنكرات،
واقطع دابر أي شيء يوصلك إلى ذلك، أكثر من الاستغفار والذكر والدعاء،
واصدق في اللجوء إلى الله؛
فإن الله يصدق مع من صدق معه، وأكثر من قراءة القرآن الكريم بتدبر، وقراءة السيرة العطرة على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم،
وكذلك قراءة سير السلف الصالح،
وكذلك قراءة سير التائبين؛
فإن هذا كله عون لك بعد الله على الثبات على طريق الهداية.
هذا والله أعلم،
وصلِّ اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.